فصل: مسألة محبة الناس لمن اتقى الله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة بركة اسم النبي عليه السلام:

في بركة اسم النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا رزقوا، ورزق خيرا.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بكثرة التجربة له، وأن يكون عندهم في ذلك أثر مروي وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه:

في وصية عمر من كان رزق له في شيء أن يلزمه قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: من كان له رزق في شيء فليلزمه.
قال محمد بن رشد: ما حض عمر على هذا والله أعلم إلا وقد خشي على من هيأ الله تعالى له رزقا في شيء فلم يعرف حق الله تعالى فيما هيأ له منه فتركه إلى غيره ألا يخار له في ذلك، وما خشيه عمر ينبغي لكل مسلم أن يخشاه، فإنه كان ينطق بالحكمة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله ضرب بالحق على قلب عمر ولسانه»، فكان يرى الرأي بقلبه ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق فيه، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة تفسير قول الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ:

في تفسير قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143].
قال مالك في قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة، فلما أنزل صرف القبلة أنزل الله تعالى في هذا:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] للصلاة التي كانوا يصلونها تلقاء بيت المقدس.
قال محمد بن رشد: إنما سمى الله عز وجل الصلاة إلى بيت المقدس إيمانا على ما قاله مالك في هذه الآية وغيره من أهل العلم وهو قول أكثر أهل التأويل والتفسير وذلك أنه مات على القبلة قبل أن تحول إلى الكعبة رجال وقتل آخرون فقال المسلمون: ليت شعرنا هل يقبل الله منهم ومنا صلاتنا إلى بيت المقدس أم لا؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]: أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا من أجل أنها كانت مقارنة للإيمان، ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فسميت الصلاة باسم الأصل الذي يثبت لها الحكم بأنها طاعة إلا به وهو الإيمان، إذ لو تجردت من الإيمان لم تكن طاعة ولا حصل عليها مثوبة، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس بأنفس الطاعات من الأقوال والأفعال؛ إذ لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان لها، فلا يصح على التحقيق أن يقال: إنها غير الإيمان؛ إذ لا تصح مفارقتها له ولا أنها الإيمان إذ الإيمان إنما هو التصديق الحاصل في القلب لا نفس الأقوال والأفعال كالصفة القديمة لا يصح أن يقال فيها: إنها هي الموصوف، ولا أنها غيره، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة وجه الإطعام في الوليمة:

في وجه الإطعام في الوليمة قال مالك كان ربيعة يقول: إنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون.
قال محمد بن رشد: يريد أن هذا هو المعنى الذي من أجله أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالوليمة وحض عليها بقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» وما أشبه ذلك من الآثار.
وقوله صحيح يؤيده ما «روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نكاح فلان يا رسول الله، فقال: كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر يسمع دف أو يرى دخان»، وبالله التوفيق.

.مسألة ما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم مكة:

فيما ذكر في الحبشة ومن أول من قدم مكة بالنرد والكتاب بالعربية وسئل مالك هل بلغك أن النبي عليه السلام قال: «ذروا الحبشة ما تركوكم؟» قال: أما عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فلا، ولكن قد سمعته يقال، وقال مالك: أول من جاء بالنرد والكتاب بالعربية إلى أهل مكة رجل من أهل الحيرة.
قال محمد بن رشد ليس في هذا معنى يشكل فيحتاج إلى التكلم عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة كثرة المنافقين في الناس:

في كثرة المنافقين في الناس قال مالك: بلغني أن الحسن البصري كان يقول: لو ذهب المنافقون لاستوحشت الطرق.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا والله أعلم أنه أراد لو ذهب المراءون بإظهار الإيمان واعتقاد الكفر؛ لأن الغالب في الناس الرياء، وأما اعتقاد الكفر فليس بغالب في الناس، بل هو الأقل منهم، وإنما أراد الحسن بقوله هذا التحذير من الرياء والله أعلم.

.مسألة قول الله تعالى وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ:

في تفسير قول الله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31].
وسئل عن تفسير هذه الآية: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31] قال: ما أبينها لأهل القدر، أخبر بما هو كائن من أمره حتى يموت.
قال محمد بن رشد: قوله ما أبينها لأهل القدر معناه ما أبينها لهم لو وفقوا في الاهتداء بها. وما أبينها لنا في الرد عليهم؛ لأن من جعله الله مباركا حتى يموت، فقد قدر عليه بأعمال السعادة حتى يموت، ومن جعله شقيا فقد قدر عليه بأعمال أهل الشقاء حتى يموت عليها.
فالخير والشر بقضاء الله وإرادته، وقدره على العبد لا خروج له عما قدره الله عليه من ذلك وأراده، وهو مأمور بالخير ومنهي عن الشر، وإن كان الله قد قدره عليه فهو يعاقبه على ما له فيه من الكسب بمخالفة أمر الله فيما اكتسبه من الإثم.
فالله عز وجل مريد لكل ما يكون من عبده من طاعة أو معصية تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؛ فيلحقه العجز والنقص وذلك بين في الحجة من قول عمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.

.مسألة محبة الناس لمن اتقى الله:

في محبة الناس لمن اتقى الله وحدثني مالك عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: اتق الله ابن آدم يحبك الناس وإن كرهوا، ولم يسمعه مالك منه.
قال محمد بن رشد: إنما قال هذا زيد بن أسلم والله أعلم لأن من اتقى الله أحبه الله؛ لأن محبة الله لعبده إنما معناه إرادته لإدخاله جنته وتنعيمه منها، قال الله عز وجل: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، ومن أحبه الله وضع له القبول في الأرض على ما جاء في الحديث من «أن الله إذا أحب العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول في الأرض»، ومعنى قوله: وإن كرهوا أنهم مغلوبون على محبته بما ألقى الله في نفوسهم منها، وبالله التوفيق.

.مسألة حشف الثمر لعمر:

في حشف الثمر لعمر قال: وحدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يحشف له الصاع من الثمر فيأكله كله، فقيل له: ما يحشف له؟ قال: يأكله بحشفه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا قبل هذا في أول رسم البز فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة من يختار مجالسته:

فيمن يختار مجالسته وقال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن حسين:
إنك تجالس أقواما كأنه يعاقبه فيهم: يقول أهل دناءة، قال: فقال له علي بن حسين: إني أجالس من أنتفع به في ديني، وكان نافع رجلا يجد في نفسه، وكان علي رجلا له فضل في الدين.
قال محمد بن رشد: معنى قوله أهل دناءة: أهل دناءة في الحسب، فكان علي بن حسين لتواضعه يجالسهم وإن كانوا أهل دناءة في الحسب لعلو مرتبتهم في الدين، وقد قال عمر بن الخطاب: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها، فعليك بذات الدين»، وبالله التوفيق.

.مسألة ترك التنعم مدة الشدة:

في ترك التنعم مدة الشدة وقال مالك: إن عمر بن الخطاب تألى ألا يأكل السمن حتى يحيى الناس من أول ما يحيون، فأكل الزيت فلم يلائمه، فأمر أن يطبخ له الزيت، فلما رأت ذلك امرأته عاتكة اشترت فرق سمن بستين درهما فقربته إليه، فقال: ما هذا؟ قالت: اشتريته بمالي، فقال لا آكله حتى يحيى الناس، قال: فكان عمر يقرقر بطنه وهو على المنبر حتى يسمع، فيقول: ما لك غيره حتى يحيى الناس.
قال محمد بن رشد: فعل عمر هذا لشدة إشفاقه على المسلمين وذلك نهاية منه في الخير والدين، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر:

في محبة الرجل أن يرى في شيء من أعمال البر قال مالك: ولقد رأيت رجلا من أهل مصر وهو يسأل ربيعة عن ذلك ويقول: إني لأحب أن أرى رائحا إلى المسجد، فكأنه أنكر ذلك من قوله ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال البر، فقلت له: ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر؟ قال: ما زال الصالحون يهجرون، وإن صلاة الرجل في بيته من النافلة أفضل منها في جماعة الناس وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته لا يبالي فما أحسنه إن أحب، والسر أفضل من ذلك، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] وفي الحديث «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة».
قال محمد بن رشد: قوله وهو يسأل ربيعة عن ذلك يريد عن المسألة التي سأل عنها، فساق سؤال السائل لربيعة وما أجابه به؛ حجة لقوله فيها من أن السر في الصدقة أفضل حسب ما وقع من ذلك في هذا الرسم من كتاب الصدقات والهبات.
وكراهية ربيعة للرجل أن يحب أن يرى في شيء من أعمال البر خلاف قول لمالك في سماع أشهب بعد هذا وفي رسم العقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة أنه لا بأس بذلك إذا كان أوله لله، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه مما لا يستطاع التخليص منه، والدليل على إجازة ذلك إن شاء الله ما «روي عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله: إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعة، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد؟ من أهل الجنة، فقال: يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» وهذا نص في موضع الخلاف.
وأما قوله في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ما زال الصالحون يهجرون وإن صلاة الرجل في بيته النافلة أفضل منها في جماعة الناس، وهو أعلم بنيته إن صحت في ذلك نيته حتى لا يبالي بما أحسبه أن أحب، فالمعنى في ذلك أنه في النهار قد يشتغل باله في صلاته في بيته ببنيه وأهله فيكون باله في المسجد أفرغها، فإذا هجر قبل الظهر إلى المسجد ليصلي فيه متفرغ البال ليرى مكانه فيه فيحمد بذلك، ويثنى عليه من أجله فهو حسن كما قال، ولذلك كان الصالحون يفعلونه، وأما بالليل ففي البيت أفضل؛ لأنه لفعله أستر وباله فيه فارغ لهدوء أهله وبنيه بالنوم، وبالله التوفيق.

.مسألة اعتماد الرجل في الصلاة على رجليه جميعا:

في اعتماد الرجل في الصلاة على رجليه جميعا وسمعت مالكا يقول: أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره قد كان مسمتا، فقيل له: أفعيب ذلك؟ قال: قد عيب ذلك عليه، وهو مكروه من الفعل.
قال محمد بن رشد: قال سحنون الرجل المسمت هو عباد بن كثير، ويروى مشيئا أي يشاء الثناء عليه، فجائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما ولا يعتمد على إحداهما دون الأخرى؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام، وكان من محدثات الأمور.
وأما الاعتماد على اليدين عند القيام من الجلسة الوسطى فمرة استحبه مالك وكره تركه، ومرة استحسنه وخفف تركه، ومرة خير فيه، وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة:

حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة قال مالك: بلغني أن أبا هريرة دعي إلى وليمة وعليه ثياب دون فأتى ليدخل فمنع ولم يؤذن له، فذهب فلبس ثيابا جيادا ثم جاء فأدخل، فلما وضع الثريد وضع كميه عليه، فقيل له: ما هذا يا أبا هريرة؟ فقال: إنما هي التي أدخلت، وأما أنا فلم أدخل قد رددت إذ لم تكن علي، ثم بكى وقال: ذهب نبيي ولم ينل من هذا شيئا وبقيتم تهديون بعده.
قال محمد بن رشد: هذه الوليمة التي رد فيها أبو هريرة ممن لم يميزه من حجاب باب الوليمة إذ ظنه فقيرا لما كان عليه من الثياب الدون، وأدخله بعد ذلك من رآه من حجابها في صفة الأغنياء بالثياب الحسان، هي التي قال فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شر الطعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله»، ويروى بئس الطعام يريد أنه بئس الطعام لمطعمه؛ إذ رغب عما له فيه الحظ من ألا يحضر لطعامه إلا. الأغنياء دون الفقراء، فالبأس في ذلك عليه لا على من دعاه إليه؛ لقوله في الحديث نفسه: ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
وبكى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شفقة من تغير الأحوال على قرب العهد بالنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ورغبة الناس عما ندبوا إليه في ولائمهم من عملها على السنة وترك الرياء فيها والسمعة، وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا لنزول القرآن بالحجاب:

في أن قول عمر بن الخطاب كان سببا لنزول القرآن بالحجاب قال مالك: كان النساء يخرجن في زمن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فكلمه عمر بن الخطاب، قال له: يا رسول الله لا ينبغي لنسائك أن يخرجن هكذا، فقالت امرأة منهن: قد تكلف عمر في كل شيء حتى في هذا، قال: فأنزل الله القرآن لقول عمر ابن الخطاب فضرب الحجاب.
قال محمد بن رشد: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي بقلبه، ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق، فنزل القرآن بموافقته في الحجاب، وفي تحريم الخمر: وفي أسرى بدر، وفي مقام إبراهيم، وبالله التوفيق.

.مسألة التبرك بأمر النبي عليه السلام:

في التبرك بأمر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر رئي وهو على ناقته وهو في مكان وهو يديرها، فقال رجل: إن هذا ليس بصحيح فسئل عن ذلك، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان على ناقته دارت هكذا، فأردت أن تطأ ناقتي على الموضع الذي وطئت عليه راحلة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال محمد بن رشد: هذه نهاية من عبد الله بن عمر في التبرك بأمر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، إذ لم يدر بناقته في ذلك المكان بقصد منه إلى ذلك فيكون امتثال فعله فيه واجبا أو مستحبا، فإنما فعله عبد الله بن عمر متبركا بذلك، فقد كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يتبع فعل النبي عليه السلام حتى ليخاف على عقله منه، وبالله التوفيق.

.مسألة فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب:

في فعل الخير هل يفي بمقارفة الذنوب قال مالك: بلغني أن ابن عباس سئل عن رجل كثير الصيام كثير الصلاة وهو يقارف الذنوب، ورجل قليل ذلك منه وهو سالم، فقال ابن عباس: ما أعدل بالسلامة شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه لا يدري هل تفي في الموازنة حسناته بسيئاته؛ لأن ما عصى الله به وإن صغر فهو عظيم، فمن قلت سيئاته وحسناته أقرب إلى السلامة ممن كثرت سيئاته وحسناته؛ إذ لا يدري قدر الثواب في حسناته، ولا هل تقبلت منه أم لا؟ ولا قدر الإثم في سيئاته لاسيما إن تعلق في ذلك حق لمخلوق، وبالله التوفيق.

.مسألة حكاية عن عمر بن عبد العزيز:

قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز خرج مع سليمان بن عبد الملك في حج في حر شديد، فخرج سليمان إلى الطائف ومعه عمر فأصابهما في الطريق مطر ورعد وصواعق، قال: فشد سليمان على وسط راحلته، أو القربوس وطأطأ عليه بصدره، فلما تجلى ذلك قال لعمر: هذا الملك لا ما نحن فيه، فقال عمر له: هذا في رحمته فكيف في غضبه.
قال محمد بن رشد: إنما قال عمر بن عبد العزيز هذا في رحمته؛ لأن المطر رحمة من الله لعباده، قال الله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} [الروم: 48] إلى قوله: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50]. وقال عز وجل: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] وقد «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا تحبلت السماء تغير وجهه وأقبل وأدبر ودخل وخرج، فإذا أمطرت سري عنه، قالت عائشة: فسألته فقال: لعله كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]» الآية، وبالله التوفيق.

.مسألة ما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك:

فيما رغب فيه زياد مولى ابن عباس لمالك رَحِمَهُ اللَّهُ قال مالك: كان زياد مولى ابن عباس يمر بي وأنا جالس، فربما أفزعني حسه خلفي، فيضع يده بين كتفي فيقول: عليك بالجد، فإن كان ما يقول أصحابك هؤلاء من الرخص حقا لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد يريد ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا عندي أنه حضه على أن يأخذ لنفسه في خاصته بأشد ما قيل بالاجتهاد في أحكام الدين التي لا نص فيها وإن كان يرى باجتهاده ما قاله أصحابه في ذلك من التخفيف فيها؛ إذ لو لم ير باجتهاده إلا الأشد لما وسعه مخالفة ما رآه في ذلك باجتهاده إلى اجتهاد غيره، فللمجتهد الذي كملت له آلات الاجتهاد في خاصته أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أشد منه، وذلك مما يستحب له على ما حض عليه زياد لمالك في هذه الحكاية. وليس له أن يترك ما رآه باجتهاده إلى ما رآه غيره باجتهاده مما هو أخف منه.
وأما فيما يفتى به غيره فليس له أن يتعدى فيه ما رآه باجتهاده إلى اجتهاد غيره، كان أخف مما رآه هو باجتهاده أو أشد منه، وليس له أن يترك النظر والاجتهاد ويقلد من قد نظر واجتهد، وإن خاف فوات الحادثة، وهو قول أكثر البغداديين وجماعة أصحاب الشافعي، والأشبه بمذهب مالك. وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يجوز للعالم تقليد عالم وبه قال أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وذهب ابن نصر من أصحابنا، وابن شريح من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد عالم إلا إذا خاف فوات الحادثة.
وقال محمد بن الحسن: له أن يقلد من هو أعلم منه ولا يجوز له أن يقلد من هو مثله.
واختلف في المستفتي من العوام، فقيل له: أن يقلد من شاء من العلماء المجتهدين، فله على هذا القول أن يسألهم ويأخذ بقول أيهم شاء، وإذا ألزم نفسه قول أحدهم فليس له أن ينتقل عنه إلى قول غيره إلا أن يكون أشد من القول الذي التزم، وقيل ليس له: أن يقلد إلا أعلمهم وأفضلهم، فإن استووا في الفضل قلد أعلمهم، فإن استووا في العلم قلد أفضلهم، وإن استووا في الوجهين قلد أيهم شاء، وبالله التوفيق.

.مسألة رد زياد على الناس ما فضل عنده مما أعانوه به في فكاك رقبته:

في رد زياد على الناس ما فضل عنده مما أعانوه به في فكاك رقبته قال مالك: كان زياد قد أعانه الناس في فكاك رقبته وأسرع الناس في ذلك، وفضل مما قوطع عليه مال كثير فرده إلى من أعطاه بالحصص وكتبهم زياد عند نفسه فلم يزل يدعو لهم حتى مات.
قال محمد بن رشد: ما فعله زياد من رده على الذين أعانوه في فكاك رقبته ما فضل عنده من ذلك بعد أداء ما قوطع عليه بالحصص صحيح من فعله؛ لأنهم أعانوه بما أعانوه به ليفك رقبته به من الرق، فليس له مما أعانوه به إلا ذلك، ولو لم يكن فيما أعانوه به وفاء بما عليه من الكتابة كان جميع ذلك مردودا على الذين أعانوه إلا أن يجعلوه من ذلك في حل، ولو أعانوه بما أعانوه به ليستعين به في أداء كتابته ليس على وجه أن يفكوه بها من الرق ولكن على وجه الصدقة عليه لكان له من ذلك ما فضل عن أداء كتابته أو قطاعته، ولكان لسيده جميع ذلك إن عجز عن أداء كتابته، قاله في المدونة، وهذا على القول بأن المكاتب يكون بالعجز منتزع المال. وعلى القول بأنه لا يكون بالعجز منتزع المال يكون جميع ما أعين به في كتابته له إن عجز عن الكتابة إلا أن ينتزعه منه السيد، وبالله التوفيق.

.مسألة سيرة عمر بن عبد العزيز في ركباته ومع قاضيه:

في سيرة عمر بن عبد العزيز في ركباته ومع قاضيه قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كانت له ركبتان في الجمعة، فكانت إحدى ركبتيه لا يركب معه فيها أحد إلا من بلغ الأربعين سنة، والأخرى يركب معه أخلاط الناس، وكان عمر إذا أراد الحج والعمرة خرج معه قاضيه حتى إذا بلغ الشجرة رده، وأجازه بمائة دينار وحلته التي عليه.
قال محمد بن رشد: إنما كان يختص في إحدى ركبتيه بمن بلغ الأربعين سنة؛ لأن الأربعين سنة هي سن الاستواء التي قال الله عز وجل فيها: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ} [القصص: 14] أي تناهى شبابه وتم خلقه واستحكم عقله {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص: 14] بدليل قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] فأراد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن يختص في ركبته الواحدة بهم أن يتمكن مما يريده من تفقد أحوالهم؛ وليتمكنوا هم أيضا مما يريدونه من طلب حوائجهم، وكان إذا خرج إلى الحج والعمرة يخرج معه قاضيه إلى الموضع الذي ذكره ليوصيه في مشيه معه إليه بما يصنع بعده، ثم يرده ويجيزه بما كان يجيزه به لتبسط به نفسه، ويقوى بذلك على التفرغ للإمرة، وبالله التوفيق.

.مسألة تعريف البضع والأشد:

في البضع والأشد قال مالك: بلغني أن البضع ما بين ثلاث سنين إلى تسع سنين، وقد طرح يوسف في الجب وهو غلام، والأشد الحلم.
قال محمد بن رشد: ما قاله مالك ما بين ثلاث سنين إلى تسع سنين فيما بلغه، يريد والله أعلم فيما بلغه عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في تفسير قوله عز وجل: {الم} [الروم: 1] {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] {فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 4] وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تغلب الروم فارس؛ لأنهم أهل كتاب كلهم، وكان المشركون يحبون أن تغلب فارس الروم؛ لأنهم أهل أوثان كلهم، وكانت فارس قد غلبت الروم، فلما أنزل الله عز وجل: {الم} [الروم: 1] {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] قال أبو بكر الصديق للمشركين: إن الروم ستغلب فارس وراهنهم في ذلك على ست سنين، وذلك قبل أن يحرم الخطار، فأخبر أبو بكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما راهن عليه المشركين من أن الروم ستغلب فارس إلى ست سنين، فقال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ألا احتطت فيه فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع»، وقد قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: البضع ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الخليل بن أحمد: هو ما بين الثلاث إلى العشرة، والصحيح ما في الحديث من أنه ما بين الثلاث إلى التسع.
وأما قوله بأن يوسف طرح في الجب وهو غلام فهو نص ما في القرآن، قال الله عز وجل: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ} [يوسف: 19].
وأما الأشد فمعناه الشدة والقوة في البدن، وقد اختلف في حده، فقيل الحلم وهو الذي ذهب إليه مالك؛ لأنه الحد الذي تكتب له فيه الحسنات وعليه السيئات، وقيل العشرون عاما، وكان ابن عباس يقول الأشد ثلاث وثلاثون، والاستواء الأربعون، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون، وبالله التوفيق.